تدخل المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران مرحلة شديدة الحساسية، مع تداول تقارير أمريكية وإسرائيلية عن استعدادات عسكرية مكثفة لاحتمال استئناف الضربات ضد أهداف إيرانية مطلع الأسبوع المقبل، في وقت تبدو فيه الهدنة التي أُعلنت في نيسان الماضي أقرب إلى تعليق مؤقت للنار منها إلى مسار قادر على تثبيت وقف دائم للحرب.
تنقل هذه التقارير خيار الضربة من مستوى التهديد المفتوح إلى مستوى التحضير العملي، حيث تعمل واشنطن وتل أبيب على إبقاء الضغط العسكري حاضرًا في الساعات الفاصلة عن مطلع الأسبوع، بالتوازي مع تعثر الاتصالات المرتبطة بمصير اليورانيوم المخصب وحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وتتعامل الإدارة الأمريكية مع هذا التداخل بين المسار العسكري والضغط التفاوضي كوسيلة لدفع طهران نحو صيغة أكثر وضوحًا في الملف النووي، بينما ترى إسرائيل أن أي تهدئة لا تمس قدرة إيران على ترميم برنامجها ومنظومتها العسكرية ستبقى قصيرة العمر.
ضربة محدودة لرفع كلفة المراوحة الإيرانية
يقول مصدر أمريكي مطلع على النقاشات الجارية حول الملف الإيراني، إن التداول الحالي داخل واشنطن يتركز على ضربة محدودة ذات وظيفة سياسية واضحة، هدفها رفع كلفة المراوحة الإيرانية ودفع طهران إلى التعامل بجدية أكبر مع المقترحات المرتبطة باليورانيوم المخصب وضمانات الملاحة في مضيق هرمز.
ويوضح المصدر لـ"إرم نيوز" أن المداولات الأولية تدور حول خيارات جوية وصاروخية مركزة، يجري إعدادها بالتنسيق مع إسرائيل، مع حرص أمريكي على حصر العملية ضمن سقف يمكن إدارته سياسيًا وعسكريًا، لأن البيت الأبيض يريد استخدام القوة لدفع التفاوض إلى نقطة أكثر إلزامًا لطهران.
وبحسب المصدر، يتركز النقاش الأمريكي الإسرائيلي على ثلاث حزم أهداف محددة، تشمل مواقع مرتبطة بإعادة تشغيل البرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة، ومنشآت عسكرية تساعد الحرس الثوري على إدارة الرد والاتصال بين الجبهات، ومرافق وقود وطاقة ترتبط بقدرة طهران على تمويل الحركة العسكرية وإدامتها.
بنك أهداف إسرائيلي
ويضيف المصدر أن الخيار الأكثر تداولًا يضع مخازن الوقود العسكري ومراكز القيادة والسيطرة ومواقع إطلاق أو تخزين الصواريخ والمسيّرات في مقدمة بنك الأهداف، مع تجنيب المفاعلات النووية العاملة ضربة مباشرة في المرحلة الأولى، وإبقاء ملف اليورانيوم المخصب في قلب الرسالة السياسية الموجهة إلى طهران.
وتنسجم هذه القراءة مع ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية عن بنك أهداف أعدته المؤسسة الأمنية في تل أبيب بالتنسيق مع واشنطن، حيث يدور الحديث عن أهداف تمتد إلى أصول عسكرية واقتصادية تساعد إيران على ترميم قدراتها بعد الهدنة. وتدفع إسرائيل باتجاه جولة تؤخر إعادة بناء منظومات الصواريخ والدفاع الجوي والمسيّرات، بينما تركز واشنطن على منع طهران من استخدام التعثر التفاوضي وقتًا إضافيًا لترتيب أوراقها النووية والبحرية.
وتزامن دفع خيار الضربة إلى الواجهة مع حديث ترامب بعد مغادرته بكين عن احتمال رفع العقوبات عن شركات صينية تشتري النفط الإيراني خلال أيام، ومع تأكيده قبول تعليق البرنامج النووي الإيراني لعشرين عامًا شرط وجود ضمان حقيقي من طهران. كما جاء ذلك بعد تمديد الهدنة بين إسرائيل ولبنان خمسة وأربعين يومًا عقب محادثات في واشنطن، بما يمنح الإدارة الأمريكية فرصة أضيق لإدارة التصعيد مع إيران وحصر ارتداداته على الجبهة اللبنانية.
قرار ترامب يحسم مسار الضربة المحتملة
ويقول المصدر الأمريكي إن الساعات الفاصلة عن مطلع الأسبوع ترتبط بقرار ترامب النهائي أكثر من ارتباطها بجاهزية الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، لأن الخطط العسكرية باتت موضوعة على الطاولة، بينما يدور النقاش السياسي حول حجم الضربة وموعدها وقدرتها على دفع إيران إلى تنازل قابل للتحقق.
ويضيف أن واشنطن تريد إبقاء الصين وباكستان وبعض دول المنطقة داخل مساحة الوساطة بعد أي ضربة محتملة، لذلك تصوغ العملية بطريقة تسمح بعودة سريعة إلى التفاوض حول اليورانيوم والملاحة.
وتبدو الضربة المحتملة، إذا اختار ترامب تفعيلها، محاولة أمريكية إسرائيلية لإعادة ترتيب شروط التفاوض مع إيران عبر الضغط العسكري المباشر. إذ تريد واشنطن انتزاع تعهد واضح حول اليورانيوم المخصب وضمان حركة الملاحة في هرمز، وتدفع إسرائيل باتجاه إبطاء ترميم قدرات الصواريخ والمسيّرات والدفاع الجوي.
وتحاول طهران استخدام الوقت المتبقي قبل مطلع الأسبوع لرفع كلفة القرار العسكري عبر ورقة المضيق والجبهات الحليفة. وتضع هذه الحسابات الأيام المقبلة أمام اختبار شديد الحساسية، لأن ضربة محدودة في بدايتها قد تفرض على الأطراف إدارة ردود تتجاوز سقف العملية الأولى.