ما زال النفاق يكتنف الموقف الغربي تجاه الحوثيين؛ فبينما يرفع المسؤولون الأوروبيون والأمريكيون شعارات دعم الشرعية اليمنية وأمن السعودية والملاحة الدولية، تظل الفجوة واسعة بين التصريحات السياسية والإجراءات العملية التي يفترض أن تترجمها إلى واقع ملموس.
قبل أيام، دعا البرلمان الأوروبي إلى إدراج الحوثيين على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، وتجميد أموالهم وتجفيف مصادر تمويلهم. وهو موقف كان يفترض أن يشكل خطوة مهمة نحو محاصرة الجماعة التي لم تكتفِ بانقلابها على الدولة اليمنية، بل وسّعت تهديداتها لتشمل دول الجوار والملاحة الدولية.
لكن المفارقة أن البرلمان الأوروبي يستطيع إصدار القرارات وإطلاق التحذيرات، بينما يظل التنفيذ مرهونًا بإجراءات أخرى داخل مؤسسات الاتحاد. وحتى اليوم لم يتخذ الاتحاد أي قرار أو إجراء وهكذا تجد الشرعية والسعودية نفسيهما أمام خطاب أوروبي مرتفع النبرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال الموقف إلى مرحلة التنفيذ.
وهنا يحق لنا أن نسأل: ما قيمة إدانة الحوثيين إذا ظلت الإجراءات التي يفترض أن تترتب عليها مؤجلة؟ وما جدوى التحذير من خطرهم إذا لم تتبعه خطوات عملية تضرب شبكات التمويل والتهريب، وتحد من قدرتهم على مواصلة الحرب وتهديد المنطقة؟
لقد أدرك الحوثيون مبكرًا أن المعركة ليست عسكرية فحسب، بل إعلامية وسياسية وإنسانية أيضًا. ولذلك عملوا على توظيف معاناة اليمنيين، وتقديم أنفسهم في بعض الأوساط الغربية باعتبارهم طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية، مستفيدين من الانقسام الدولي ومن حساسية الغرب تجاه الكلفة الإنسانية للحرب.
وبينما ينشغل الحوثيون بتعزيز قبضتهم على صنعاء ومؤسساتها، تستمر منظمات دولية في التعامل مع الواقع المفروض في مناطق سيطرتهم، بحجة ضرورة إيصال المساعدات إلى السكان. ولا يمكن إنكار أهمية العمل الإنساني، لكن السؤال المشروع هو: كيف يمكن ضمان ألا تتحول القيود التي تفرضها الجماعة على العمل الإغاثي، أو تدخلاتها في أنشطة المنظمات، إلى وسيلة لابتزاز المجتمع الدولي وإدامة سلطتها؟
لقد كشفت تقارير أممية عن احتجاز موظفين أمميين وتزايد القيود على العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين. ومع ذلك، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن فرض معادلة واضحة تجعل حماية العاملين الإنسانيين وضمان استقلال المنظمات شرطًا أساسيًا لاستمرار التعامل مع سلطات الأمر
أما المفارقة الأخرى فتتمثل في أن بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن لا تزال تعمل من عمّان منذ عام 2017، بدلًا من وجود مقر دائم لها داخل عدن، العاصمة المؤقتة ومقر الحكومة المعترف بها دوليًا...
إن المشكلة ليست في أن يختلف الغرب مع الشرعية أو السعودية في بعض التقديرات، بل في أن يصبح دعم الشرعية مجرد عبارة دبلوماسية، بينما تُترك الجماعة التي انقلبت على الدولة لتفرض شروطها بالقوة، وتفاوض المجتمع الدولي من موقع السلطة التي ان
فليس المطلوب من الغرب أن يطلق مزيدًا من الوعود، بل أن يثبت أن قراراته تعني شيئًا. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الفارق بين ما يقوله عن الحوثيين وما يفعله تجاههم مادة مشروعة للتشكيك والمساءلة السياسية